الشيخ محمد رشيد رضا
156
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اليوم . وذكر ما رواه قبل ذلك عن ابن عباس والسدي من تفسير الاكمال باكمال الفرائض والاحكام وما يعارضه من قول البراء بن عازب في آية « يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ » إنها آخر آية نزلت . ونقول لا معارضة فان مراده انها آخر آيات الفرائض وهذا لا ينفي أن تكون نزلت قبل آية المائدة أو سورة المائدة . واستدل على الترجيح أيضا باتفاق العلماء على أن الوحي لم ينقطع عن رسول اللّه ( ص ) إلى أن قبض ، وكونه كان قبل وفاته أكثر ما كان تتابعا ، وجعل منه آية الفتوى في الكلالة ، وأصحاب القول الآخر يمنعون أن تكون هذه الآية مما نزل بعد آية المائدة ولا يمنعون غيرها مما ليس فيه فرائض ولا حلال ولا حرام ، وبهذا يبطل ترجيحه اثبات نزول شيء من الاحكام على نفيه بتقديم المثبت على النافي وقد كان قدم قول من قالوا بخلاف ما اختاره وبينه أتم بيان إذ قال : اليوم أكملت لكم أيها المؤمنون فرائضي عليكم وحدودي وأمري إياكم ونهي وحلالي وحرامي وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي ، وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي ، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة اليه من أمر دينكم ، فأتممت لكم جميع ذلك فلا زيادة فيه بعد اليوم اه المراد منه . ثم ذكر تاريخ ذلك اليوم وانه لم ينزل بعده من الفرائض والحلال والحرام شيء ، وأيده بالرواية عن ابن عباس والسدي . وأما مقابله وهو تفسير الدين بالحج خاصة فأيده بالرواية عن قتادة وسعيد بن جبير ، وسنبين رأينا في رده واما مفسرو الخلف فقد نظروا في الآية نظرا آخر وهو انه استدل بها أهل الظاهر على بطلان القياس وكل ما ترتب عليه من احكام العبادات والحلال والحرام فأرادوا دفع ذلك ، واستشكل بعضهم ما في مفهوم الاكمال من سبق النقص فأرادوا التفصي منه ، وقد سبق صاحب الكشاف إلى قول جامع في الامرين تبعه فيه مثل البيضاوي والرازي وأبو السعود كعادتهم ، قال : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » كفيتكم أمر عدوكم وجعلت اليد العليا لكم ، كما تقول الملوك : اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد : إذا كفوا من ينازعهم الملك ووصلوا إلى اغراضهم ومنافعهم ، أو أكملت لكم ما تحتاجون اليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف